مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي
167
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )
زار قبر النبي صلىالله عليهوآلهو سلم أو تبرّك به بتقبيل أو لمس ، وجعل ذلك من الشرك الأصغر تارة ، ومن الشرك الأكبر أخرى . ولمّا رأى علماء عصره عامة أنّه قد خالف في رأيه هذا ما ثبت من الدين وضرورة المسلمين - لأنّهم قد رووا عن رسول اللّه صلىالله عليهوآلهو سلم حثّه على زيارة المؤمنين عامّة ، وعلى زيارته خاصة ، بقوله صلىالله عليهوآلهو سلم : « من زارني بعد مماتي كان كمن زارني في حياتي » ، وما يؤدّي هذا المعنى بألفاظ اخر « 1 » - تبرّأوا منه وحكموا بضلاله ، وأوجبوا عليه التوبة ، فأمروا بحبسه ، إمّا مطلقاً أو على تقدير أن لا يتوب . والذي أوقع ابن تيمية في الغلط . . . هو تخيّله أنّ الأمور المذكورة شرك باللّه وعبادة لغيره ، ولم يدرك أنّ هؤلاء الذين يأتون بهذه الأعمال يعتقدون توحيد اللّه ، وأنّه لا خالق ولا رازق سواه ، وأنّ له الخلق والأمر ، وإنّما يقصدون بأفعالهم هذه تعظيم شعائر اللّه ، وقد علمت أنّها راجعة إلى تعظيم اللّه والخضوع له والتقرّب إليه سبحانه والخلوص لوجهه الكريم ، وأنّه ليس في ذلك أدنى شائبة للشرك ؛ لأنّ الشرك . . . أن يعبد الإنسان غير اللّه ، والعبادة إنّما تتحقّق بالخضوع لشيء على أنّه ربّ يعبد ، وأين هذا من تعظيم النبي الأكرم وأوصيائه الطاهرين عليهمالسلام بما هو نبيّ وهم أوصياء ، وبما أنّهم عباد مكرمون ؟ ! ولا ريب في أنّ المسلم لا يعبد النبي أو الوصي فضلًا عن أن يعبد قبورهم » « 2 » . ثمّ أضاف : « إنّ التقبيل والزيارة وما يضاهيهما من وجوه التعظيم لا تكون شركاً بأيّ وجه من الوجوه ، وبأيّ داعٍ من الدواعي ، ولو كان كذلك لكان تعظيم الحي من الشرك أيضا ؛ إذ لا فرق بينه وبين الميّت من هذه الجهة - ولا يلتزم ابن تيمية وأتباعه بهذا - وللزم نسبة الشرك إلى الرسول الأعظم صلىالله عليهوآلهو سلم - وحاشاه - فقد كان يزور القبور ويسلّم على أهلها ويقبّل الحجر الأسود كما سبق . وعلى هذا فيدور الأمر بين الحكم بأنّ بعض الشرك جائز لا محذور فيه ،
--> ( 1 ) انظر : البيان : 503 ، 555 - 559 ، التعليقة . ( 2 ) البيان : 501 - 503 .